سميح دغيم
500
موسوعة مصطلحات الإمام فخر الدين الرازي
الحسية والخيالية ضعيفة فإذا ضعفت قويت القوة العقليّة وأشرقت الأنوار الإلهية في جوهر العقل ، وحصلت المعارف وكملت العلوم من غير واسطة سعي وطلب في التفكّر والتأمّل ، وهذا هو المسمّى بالعلوم اللّدنية . ( مفا 21 ، 150 ، 13 ) علوم مكتسبة نظريّة - إنّ كمال النفس الناطقة في أن تعرف الحق لذاته والحيّز لأجل العمل به ، لكن عمل الحيّز مشروط أيضا بنور العرفان ، فأهم المهمّات للنفس اكتساب العرفان ، إلّا أنّها خلقت في مبدأ الأمر خالية عن معرفة أكثر الأشياء ، لكنّها أعطيت الحواس الظاهرة والباطنة ، حتى أنّ النفس إذا أحسّت بواسطة هذه الحواس بالمحسوسات تنبّهت لمشاركات بينها وبين مباينات فتتميّز عند جوهر النفس عمّا به اشتراك تلك الأشياء وعمّا به امتيازها ، وحينئذ يحصل في النفس تلك الصورة المجرّدة . ثم أنّ تلك الصورة على قسمين : منها ما يكون مجرّد تصوّراتها موجبا جزم الذهن بإسناد بعضها إلى بعض بالنفي والإثبات . ومنها ما لا يكون كذلك ، والأوّل هو البديهيات ، ولا بدّ من الاعتراف بوجودها . إذ لو لم يكن لها وجود لافتقر جزم الذهن في كل قضية إلى الاستعانة بغيرها ، فيلزم إمّا الدور وإمّا التسلسل . القسم الثاني : وهو الذي لا يكون مجرّد تصوّرها موجبا جزم الذهن فيها بالنفي والإثبات . وهي العلوم المكتسبة النظريّة ، فثبت أنّه لولا هذه الحواس لما تمكّنت النفس من تحصيل المعارف البديهيّة ولا النظرية . ولذلك قيل : من فقد حسّا فقد علما ، فهذا بيان معونة الحواس في تكميل جوهر النفس ، وأمّا معونتها في تكميل جوهر البدن وذلك لأنّا لمّا بيّنا أنّ البدن بكونه حارّا رطبا يكون أبدا في التحليل والذبول ، ولأجل هذا السبب يحتاج إلى إيراد بدل ما يتحلّل عنه ، ولا بدّ من التمييز بين ما يكون ملائما وبين ما يكون منافيا . فهذه الحواس لها معونة في أن يحصل للإنسان وقوف على ما ينفعه ويضرّه ، فحينئذ يشتغل بجلب المنافع ودفع المضارّ ، فهذا بيان معونة الحواس في تكميل جوهر البدن . ( نفس ، 80 ، 4 ) علوم نظريّة - العلوم النظريّة ، مثل أنّه إذا حضر في الذّهن أنّ الجسم ما هو وأنّ المحدث ما هو ، فإنّ مجرّد هذين التصوّرين في الذهن لا يكفي في جزم الذّهن بأنّ الجسم محدث ، بل لا بدّ فيه من دليل منفصل وعلوم سابقة . والحاصل : أنّ العلوم الكسبيّة إنّما يمكن اكتسابها بواسطة العلوم البديهيّة ، وحدوث هذه العلوم البديهيّة إنّما كان عند حدوث تصوّر موضوعاتها وتصوّر محمولاتها . وحدوث هذه التصوّرات إنّما كان بسبب إعانة هذه الحواس على جزئياتها ، فظهر أنّ السّبب الأول لحدوث هذه المعارف في النّفوس والعقول هو أنّه تعالى أعطى هذه الحواس ، فلهذا السبب قال تعالى : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ ( النحل : 78 ) ليصير حصول هذه الحواس سببا لانتقال نفوسكم من الجهل إلى العلم بالطريق الذي ذكرناه ، وهذه أبحاث